07 - 09 - 2026

كلام والسلام | المعذبون في الساحل.. والضائعون في الداخل!

كلام والسلام | المعذبون في الساحل.. والضائعون في الداخل!

بينما كان عم صابر يقف متأملاً في طابور ممتد أمام البقال التمويني.. باحثاً عن زجاجة زيت لا ترتجف يد البائع وهي تزنها.. كانت شاشات الهواتف الذكية تشتعل بـ تريند جديد يزف لأهالي الفيسبوك تفاصيل المعركة الحامية الوطيس في الساحل الشرير !

والمعركة هذه المرة ليست على مقعد في البرلمان ولا على جائزة من جوائز الدولة المثيرة للجدل .. بل على أسعار تذاكر الحفلات التي تخطت حاجز الأرقام الفلكية لتوازي ميزانية دولة نامية في إفريقيا البائسة! أو علي زجاجة مياه معدنية يبدو أنها مستخرجة بعناية من ينابيع نهر النيل!

يا حرام.. علي الساحل وبتوع الساحل؟!

لو بُعث عميد الأدب العربي اليوم..  لربما أضاف فصلاً جديداً يمسح فيه نظارته السوداء ذهولاً.. ويسميه: المعذبون في الساحل!

نعم.. هم معذبون أيضاً.. ولكن عذابهم من نوع فاخر.

عذاب يبدأ من بوابة القرية السياحية حيث تصطف طوابير السيارات الرياضية الفارهة التي تتجاوز أسعارها ما يتقاضاه موظف حكومي طوال عمره الافتراضي.. مضافاً إليه مكافأة نهاية خدمته في الآخرة!

هناك.. خلف النظارات الشمسية من أشهر الماركات العالمية.. حيث ينتحب البعض لأن لون التان (لفحة الشمس) لم يكن متناسقاً تماماً مع لون المقاعد الجلدية للسيارة الفارهة؟

أو تقول أحداهن.. متعودة دائما أني أقضي الصيف كله في الساحل من جولاي لأخر سوبتمبر.. ياخسارة الوقت عدى بسرعة!

أو واحد بكرش كبير يقولك: متعود أصحى الساعة ستة الصبح وأعوم ستة سبعة كيلو.. بس ياخسارة مقدرتش.. الأمواج كانت عالية جدا!

أما الكوميديا السوداء فتصل إلى ذروتها عند عتبات المقاهي الشاطئية.. حيث تجلس أحداهن لتنفث دخان شيشة سُعّرت بأرقام خيالية (٩٠٠ جنيه ).. وكأن التبغ المستخدم فيها قد تم ريه بماء الذهب الخالص ومزجه بنسمات من جبال الألب!

ينظر المرء إلى فاتورة تلك الليلة الفاخرة التي تتبخر في الهواء على شكل دخان وصخب. ثم يلتفت إلى واقع عم صابر في الداخل.. وهو يضرب كفاً بكف أمام محل البقالة.. متسائلاً بلهجة ابن البلد المطحون: هو الهامور ده نوع سمك بياكلنا.. ولا نوع بني آدمين بياكلوا بعض!؟

صرنا نعيش في كوكبين يدوران حول نفس الشمس.. أحدهما يحترق بأسعار اللحم والزيت في الداخل. والآخر يشكو على الشاطئ من أن جودة المقاعد في منصة الحفل الـ VIP ليست على مستوى التوقعات!

الوجع واحد لكن المظاهر تختلف..

فبينما يهرب المواطن في القرى والنجوع من حرارة شقته الضيقة إلى رصيف الشارع.. طلباً لنسمة هواء مجانية. يهرب مواطن آخر من حرارة الجو بطائرة خاصة ليلحق بحفل غنائي يرتدي فيه الجميع ملابس.. تكفي بالكاد لستر الأفكار!

يا سادة.. السخرية اليوم لم تعد مجرد نكتة تُقال في صالون ثقافي لتبديد الوقت.. بل  صرخة احتجاج يغلفها الضحك الباكي.

وكما تساءل يوسف إدريس يوماً في روايته الحرام عن الخط الفاصل بين الخطأ والاضطرار. نسأل نحن اليوم بلسان حال ملايين الماكثين في بيوتهم تحت وطأة الصيف والغلاء: أيهما أشد حُرقة: حرارة الجو في غياب التكييف. أم حرارة الأسعار في فواتير الساحل الشرير؟!
--------------------------------
بقلم: خالد حمزة
[email protected]


مقالات اخرى للكاتب

كلام والسلام | المعذبون في الساحل.. والضائعون في الداخل!